اسماعيل بن محمد القونوي
415
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وتنزهه عن الحاجة وما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة ) العبرة هنا بمعنى الدلالة على وجود الصانع لأن هذه الأشياء حادثة لا بد لها من محدث وأما كونه قديما أي واجبا « 1 » فلدفع الدور أو التسلسل ودلالة على وحدته متعاليا عن معارضة غيره ولو صرح به لكان أتم بيانا وأعون برهانا وكمال قدرته إذ العاجز لا خلق له وإحاطة علمه بالكليات والجزئيات على سبيل التفصيل ونفاذ مشيئته حيث قال : فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ [ الرعد : 13 ] الآية وتنزهه عن الحاجة لأنه إنما فعل ما فعله للاعتبار لا للاحتياج قوله لمن يرجع إلى البصيرة تفسير لقوله : لِأُولِي الْأَبْصارِ [ النور : 44 ] ونبه على أن الأبصار جمع بصيرة لا البصر كما تقدم والرجوع منفهم من أولي الأبصار أي لمن له بصيرة يراجعها ويعمل بمقتضاها فمن له بصيرة لم يراجعها كأنه لا بصيرة له وقيده به لأنهم ينتفعون به دون غيرهم وإن كان في ذلك دلالة لكل أحد وقيل إنه ليس في القرآن جناس تام غير هذه الآية « 2 » ولهذا اختير الأبصار دون البصائر . قوله تعالى : [ سورة النور ( 24 ) : آية 45 ] وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 45 ) قوله : ( حيوان يدب على الأرض وقرأ حمزة والكسائي خالق كل دابة بالإضافة ) حيوان يدب على الأرض أي يتحرك عليه أشار إلى أن المراد المعنى اللغوي لا الاصطلاحي من ذوات القوائم الأربع قال المص في سورة النحل في قوله تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ [ النحل : 49 ] الآية قوله : مِنْ دابَّةٍ [ النحل : 49 ] بيان لهما لأن الدبيب هي الحركة الجسمانية سواء كانت في السماء أو الأرض انتهى فيكون حينئذ قوله : فِي الْأَرْضِ [ النحل : 49 ] للاحتراز لا للتأكيد كما ذهب إليه جمهور أرباب المعاني ويؤيد كونه للاحتراز قول الإمام أما الملائكة فهم أعظم الحيوانات عددا فهم مخلوقون من النور وأما الجن فهم مخلوقون من النار . قوله : ( هو جزء مادته ) هذا بناء على أنهم مركبون من العناصر الأربعة فالماء جزء من أجزائه وهذا ضعيف عند المتكلمين . دلت أيضا على تنزهه تعالى واستغنائه عنها لأن الموجد للشيء وخالقه لا يحتاج إلى ذلك الشيء فإنه تعالى أوجده ولم يكن شيئا فهو محتاج إليه تعالى والمحتاج إليه لا يحتاج إلى محتاجه . قوله : من ماء هو جزء مادته أو ماء مخصوص والنطفة يعني أن تنكير ماء للافراد فيحتمل أن يكون للإفراد نوعا فإنه تعالى خلق كل نوع من أنواع الدواب من نوع ماء مختص بذلك النوع
--> ( 1 ) أشار بهذا التفسير إلى أن الأولى ذكر واجبا يدل قديما لأن القدم يجمع مع الإمكان كما في صفات الباري . ( 2 ) وقوله تعالى : يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ فيه كلام في الاتقان ناش عن عدم الايقان .